الشيخ محمد رشيد رضا

374

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

رد تعالى عليهم بمثل قوله ( أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) والصواب أنه استغنى عن الرد الصحيح هنا برد ما اقترن به المتضمن للرد عليه وبيان بطلانه وهو زعمهم أن اللّه تعالى أمرهم بتلك الفحشاء التي وجدوا عليها آباءهم فقد أمر اللّه تعالى رسوله ( ص ) بأن يدحضه بقوله لهم قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ فهذا القول تكذيب لهم من طريقي العقل والنقل ، أما الأول فتيره أن هذا الفعل لا خلاف بينكم وبيننا في أنه من الفحشاء أي أقبح القبائح واللّه تعالى منزه بكماله المطلق الذي لا شائبة للنقص فيه أن يأمر بالفحشاء ، وإنما الذي يأمر بها هو الشيطان الذي هو مجمع النقائص كما قال تعالى في آية أخرى ( الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ) وهذا حجة على من ينكر الحسن والقبح العقلي في الأحكام الشرعية لأجل مخالفة من توسعوا في تحكيم العقل في ذلك ، وأما طريق النقل فهو أن ما يسند إلى اللّه تعالى من أمر ونهي لا يثبت بمجرد الدعوى بل يجب أن يعلم بوحي منه تعالى إلى رسول من عنده ثبتت رسالته بتأييده تعالى له بالآيات البينات ، فالاستفهام في قوله تعالى ( أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) للانكار المتضمن للتوبيخ ، وللرد على المقلدين فإنهم باتباع آبائهم وأجدادهم وشيوخهم في آرائهم وأعمالهم الدينية غير المسندة إلى الوحي الإلهي يقولون على اللّه ما لا يعلمون أنه شرعه لعباده . وبعد أن أنكر عليهم أن يكونوا على علم في هذا الطريق النقلي وهو من باب السلب والنفي ، توجهت الأنفس إلى معرفة ما يأمر به تعالى من محاسن الاعمال ومكارم الأخلاق والخصال ، فبينه بطريق الاستئناف ، قائلا لرسوله * * * * * * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ أي العدل والاعتدال في الأمور كلها ، وهو الوسط بين الافراط والتفريط فيها ، وقد تقدم تفسيره لفظا ومعنى في سورتي النساء والمائدة ، والوسط في اللباس الذي يعبد اللّه تعالى فيه أن يكون حلالا نظيفا لائقا بحال لابسه في الناس لا ثوب شهرة في تفريط التبذل ، ولا في افراط التطرس ، وسيأتي الامر بأخذ الزينة عند المساجد من هذا السياق ، وقدم عليه هنا ما يتعلق بفقه العبادة ولبابها ، الدال على جهلهم بها ، وهو قوله وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي قل لهم أيها الرسول أمر ربي بالقسط